أبي حيان التوحيدي

362

المقابسات

الفساد الذي لا يخيل على أحد إن كان المراد بأنه بالشخص غير كأنه يوجد سواك ، وتوجد سواه ، فهذا لا مرية فيه ولا شبهة على أحد منه ، والعدو أيضا كذلك . وإن كان المراد به يوافقك ويجرى على هواك وإرادتك ، فقد قلنا إن هذا الوصف يدخله ذلك التعاند الذي سلف استشفافه واستكشافه من جهة الطباع والطباع ، والعادة والعادة ، والمراد والمراد ، والهوى والهوى ، والشكل والشكل ، فإذا ألحد يصح ملحوظا بشرح العقل في عالمه النقى البهى المشرق المؤتلق الخالص النير البحت ، لا إذا قصد به وجدانه في ساحة الحس الكدر المظلم السيال المتموج المضمحل المستحيل . ولهذا المعنى كان الوصف أبدا زائدا على الموصوف ، والقول فاضلا عن المقول عليه في أمور هذه الدار ، وتفصيل أحوال سكانها في جميع ما يتقلبون فيه ويتفرقون عليه قيل له : قد حصلنا جميع ما قلته ووجدنا في أنفسنا زيادة كثيرة لمعرفته أفدنا الآن الفرق بين الصداقة والألفة ؟ [ فقال ] قد يألف الانسان ثوبا وزيا وطعاما وهديا ومذهبا ومكانا ، ولا يصادق شيئا منها ، والصداقة إذا أخذتها من جانب اشتقاق لفظها كانت من الصدق ، والصدق ميزان النفس وصورة العقل وكمال الجملة وزينة التفصيل ، وإذا ألف إنسان إنسانا فقد أجراه مجرى جميع ما سميناه ، وإذا صادقه فقد رفع شأنه وأعلى مكانه وميز قدره وأفرد حاله فيما لا يصدق إذا حدث ولا ينصف إذا عومل قيل : فعلى هذا يتمم هذه المقابسة التي حركت منا سواكن ، وأثارت علينا كوامن فقال : اعملوا ما بدا لكم من الخير فالحكم خلس ، والفوائد فرص ، وليس كل وقت يوافق نشاط السائل في سؤاله رغبة المسؤول في إجابته ، ولا في كل حال يمكن للانسان [ أن ] يثقف ما يقول ويقوم ما يعمل ويحقق ما ينوى قبل وبعد ، وإني أحدثكم عن الصداقة شيئا حسنا